قانون انتخابي تشاركي قبل ديسمبر 2022: السيناريو المستبعد في تونس

بقلم: غازي عبودة، الكاتب العام للمعهد التونسي لتكوين المنتخبين

 

بعد استفتاء 25 جويلية 2022 على دستور جديد للبلاد التونسية، دستور تشير كل الوقائع أنه من إعداد رئيس الجمهورية[1]، أستاذ القانون الدستوري، تعالت أصوات من الداخل والخارج داعية إلى أن يكون إعداد القانون الانتخابي لأعضاء السلطة التشريعية تشاركيا. وبغض النظر عن اختلاف نوايا الدعاة تحت مُسمى ضمان الديمقراطية ودون الخوض في تطور أشكال هذا النمط من الحكم حتى سادت “الديمقراطية الليبرالية” كبديل للحكم باسم “إرادة الشعب” سنحاول بيان الصعوبات التي تحول دون الاستجابة لهذه الدعوة بغض النظر أيضا عن موقف رئيس الجمهورية الذي أصبحت لديه الكلمة الفصل دون منازع إلى غاية تنصيب هيكلي السلطة التشريعية وفقا لأحكام الدستور الجديد كما سنشير إلى التبعات المحتملة لهذه الصعوبات والتي يُفترض أن يقرأ لها ألف حساب إذا رام رئيس الجمهورية الالتزام بموعد 17 ديسمبر 2022 الذي أعلن عليه لإجراء الانتخابات التشريعية حتى يتفادى ضغط الرزنامة الانتخابية وما قد ينتج عنه من اضطرار إلى التعسف على الآجال على غرار ما حصل بمناسبة تنظيم الاستفتاء على الدستور سنأتي على بيانه.

في صعوبة الصياغة التشاركية للقانون الانتخابي:

تبدو بعض الدعوات لصياغة القانون الانتخابي بصفة تشاركية إما مطلبا يُراد به إبراز رئيس الجمهورية في صورة المتفرد بالرأي أو مفتقرة لدراسة معمقة لإمكانيات الاستجابة لهذا الطلب المشروع قبل إقرار العمل بالدستور الجديد ونشره بعدد خاص بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية، أي قبل انحصار الآجال وتقلص المدة الفاصلة عن التاريخ المُعلن أو بالأحرى الموعود طالما لم يُصبح بعد تاريخا قانونيا. ويبدو أن بعض الأطراف التي أعربت عن استعدادها للمشاركة في صياغة هذا القانون مُقدمة مقترحات قريبة من التصور الذي أعلن عنه رئيس الجمهورية من اعتماد التصويت على الأفراد وفي دورتين خاصة أرادت بذلك إضفاء مشروعية سابقة لأوانها على ترشحها للمحطات الانتخابية المُقبلة على أساس أنّها وجدت في مرسوم القانون الانتخابي المرتقب ضالتها.

تأتي هذه الملاحظة كاستتباع لقراءة فصول الدستور في ترابطها. فرغم البعد السياسي للانتخابات التشريعية، أصبحت المسألة باعتماد الدستور الجديد قانونية بالأساس. كيف ذلك؟

أولا: الأسباب المرتبطة باعتماد غرفتين

في الفصل السادس والخمسين من الدستور الجديد نقرأ ما يلي: “يُفوض الشعب، صاحب السيادة، الوظيفة التشريعية لمجلس نيابي أول يُسمى مجلس نواب الشعب ولمجلس نيابي ثان يُسمى المجلس الوطني للجهات والأقاليم”. ويضيف الفصل السادس والثمانين: “يُنظم القانون العلاقات بين مجلس نواب الشعب والمجلس الوطني للجهات والأقاليم”.

يعني هذان الفصلان أنّ ما ستتم صياغته في مرحلة أولى قانونان (أو بالأحرى نصان) وليس نص واحد. وإذا خيّر المشرع، وهو في هذه الفترة رئيس الجمهورية، ترك سن القانون المنظم للعلاقة بين المجلسين للمجلسين فإنّ هذا الخيار سيجعل المترشحين أمام بعض الغموض لحقيقة مهامهم وصلاحياتهم صلب أحد المجلسين رغم أنّ الخطوط العريضة للمهام قد ضبطها الدستور. وبغض النظر عن “القانون” أو المرسوم المنظم للعلاقة بين المجلسين، تواجه مهمة إعداد أو مراجعة “القانون” الانتخابي صعوبة من الأهمية بمكان. فباعتبار حداثة البلاد عمليا بمجلس الجهات والأقاليم وخاصة بالأقاليم، وجب إما مراجعة التنظيم الإداري والترابي للبلاد التونسية لتقسيمه إلى أقاليم أو التنصيص على هذا التقسيم صلب “القانون الانتخابي” الجديد بحيث يكتسي الإقليم بعدا سياسيا يُحيل على دوائر انتخابية وليس بعدا جغرافيا أو اقتصاديا تنمويا وهو توجه مُستبعد في ظل البحث المفترض من خلال إحداث هذا المجلس الجديد على تحقيق التنمية المنشودة[2] أو على الأقل على فرض اعتماد مقاربة تنموية على أعمال “الوظيفة” التشريعية برز خاصة في الصلاحيات التي أسندها الدستور لهذا المجلس وأبرزها النظر في مشاريع قوانين ميزانية الدولة ومخططات التنمية الجهوية والإقليمية والوطنية لضمان التوازن بين الجهات والأقاليم. ولو فرضنا أنّ النية تتجه إلى الاقتصار في تاريخ 17 ديسمبر 2022 على انتخاب مجلس نواب الشعب الذي سيتولى استكمال التصور التشريعي للمجلس الثني على ضوء أحكام الدستور كما توحي بذلك صياغة الفصلين 139 و140 من باب الأحكام الانتقالية في الدستور فإنّ هذا يعني إقرارا بأنّ الوظيفة التشريعية الحقيقية إنما هي للغرفة الأولى التي قد تسعى إلى تقزيم دور الغرفة الثانية بأن تجعلها استشارية في معظم الأحيان التي لم يأت على تحديدها الدستور بوضوح.

وفي كل الأحوال، واعتبارا لتنصيص الفصل الحادي والثمانين على أنّ أعضاء المجلس الوطني للجهات والأقاليم إنما يُنتخبون انتخابا غير مباشر بحيث ينتخب كل مجلس جهوي ثلاثة أعضاء من بين أعضائه لتمثيله في هذا المجلس كما ينتخبون نائبا واحدا عن كل إقليم لتمثيل ذلك الإقليم برمته صلب نفس المجلس فإنّ استكمال هياكل الوظيفة التشريعية يقتضي وجود مجالس جهوية وأخرى إقليمية مُنتخبة قبل تاريخ 17 ديسمبر 2022.

ويجدر التنويه هنا إلى قطع الدستور مبدئيا وفي انتظار صدور النصوص التطبيقية مع ما كان يُروج من اعتماد القرعة في اختيار أعضاء المجلس الثاني بما تُوحي به من طابع اعتباطي وإقرار الانتخاب غير المباشر أداة لتكوين المجلس الوطني للجهات والأقاليم. ولكنّ السؤال الذي يظل مطروحا ويتطلب من واضع”ي” النص دراسة وقرارا مسؤولا: ألا يُمكن أن تُفضي هذه الآلية إلى تعطل الاختيار في بعض المجالس أو اللجوء إلى دورة ثانية أو حتى ثالثة لحسم المسألة أم أنه سيتم اعتماد معايير تفضيلية لفائدة المرأة والشباب والمعاقين[3] مثلا في صورة التساوي؟ وهل يُمكن أن يتضمن المرسوم في هذه الوضعية لجوء للقرعة لعدة غايات من بينها اختصار الآجال الموصلة لتاريخ 17 ديسمبر 2022؟

ثانيا: الأسباب المتعلقة بهياكل الجماعات المحلية

هنا، نستحضر باب الجماعات المحلية الذي تقلص من جديد مقارنة بدستور [4]2014 وعاد إلى فصله الوحيد الذي هجره في دستور 1959 عدا ولكن بحلة أثرى مضمونا مع الحفاظ على ترقيمه سابعا صلب الدستور. فلقد تضمن الفصل المائة وثلاثة وثلاثون ممارسة “المجالس البلدية والمجالس الجهوية ومجالس الأقاليم والهياكل التي يمنحها القانون صفة الجماعة المحلية المصالح المحلية والجهوية حسب ما يضبطه القانون”. فعن أي قانون يتحدث الدستور؟ هل هو القانون الأساسي عدد 29 لسنة 2018 المؤرخ في 9 ماي 2018 المتعلق بمجلة الجماعات المحلية الصادر تطبيقا لأحكام الباب السابع من دستور 2014 في انتظار ملاءمة بعض أحكامه وفقا لما تقتضيه تغييرات الدستور الجديد وتوجهاته أم أن التغييرات والتعديلات ستسبق الانتخابات؟ ونعني هنا الانتخابات بنوعيها، انتخابات المجالس الجهوية ومجالس الأقاليم وانتخابات المجلس الوطني للجهات والأقاليم.

ومهما يكن من توجه بخصوص اعتماد مجلة الجماعات المحلية على حالها من تنقيحها بمرسوم بداعي حجم الصلاحيات التقريرية الممنوحة لمجالس الجهات التي تُكسبها “سلطة” بدا الدستور رافضا لها بجعل كل الهياكل تُؤدي وظيفة ولا تُمارس سلطة فإن العملية الانتخابية في ذاتها مطلوبة للمرور إلى المجلس الوطني للجهات والأقاليم.

تأتي هذه الملاحظة للإشارة إلى أنه في صورة اختيار تنقيح مجلة الجماعات المحلية قبل دعوة الناخبين لاختيار ممثليهم صلب المجالس الجهوية فإن ذلك يتطلب جهدا وتفكيرا لإصدار تلك التنقيحات في وقت وجيز مما يقتضي الاقتصار على عمل جهة واحدة اختصارا للمدة لأنه ليس من السهل التوفيق بين آراء متباينة أو حتى مختلفة دون فسحة من الزمن.

وتبقى المرحلة الهامة لبلوغ محطة الانتخابات التشريعية كما رسمها الدستور هي تقسيم التراب إلى جهات وخاصة إلى أقاليم. فإذا كان الفصل 299 من مجلة الجماعات المحلية قد اقتضى أن “يُسير الجهة مجلس جهوي منتخب طبقا للقانون الانتخابي” موضحا مهام هذا المجلس وطرق تسييره وعلاقته بالسلطة المركزية فإنّ اعتماد هذه المجلة لن يحل مشكلا كبيرا باعتبار غياب تحديد دقيق لحدود الجهة كمصطلح دخيل على التشريع المتعلق بالتنظيم الإداري لتراب الجمهورية إلا إذا تمت مراجعة أحد النصين[5] للتأكيد على تطابق حدود الجهة مع حدود الولاية.

وبالنسبة للأقاليم، فقد ورد بالفصل 356 من مجلة الجماعات المحلية السالفة الذكر تعريف للإقليم يتطابق مع الوظيفة التي أرادها له رئيس الجمهورية إذ جاء فيه: “الإقليم جماعة محلية تتمتع بالشخصية القانونية وبالاستقلالية الإدارية والمالية وتعمل على تحقيق الاندماج والتكامل التنموي والاقتصادي المتوازن والعادل بين مختلف المناطق المكونة للإقليم” وطبعا سيعمل المجلس الوطني للجهات والأقاليم على تحقيق هذه الأهداف بين مختلف أقاليم الدولة. كما ينص الفصل 358 من المجلة على صلاحيات هذه المجالس الرامية إلى بلوغ الأهداف المرسومة. وكل هذا يُمكن أن يُمثل أرضية ملائمة لاعتماد مجلة الجماعات المحلية على حالها في مرحلة أولى لكنّ ذلك لن يحل المشكل بدوره لغياب تقسيم لتراب البلاد إلى أقاليم وضبط حدود كل منها. وقد تتطلب هذه الخطوة استعانة بالمعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية مثلا لتقديم تصور دامج يتبناه واضع المنظومة الانتخابية الجديدة في ظرف وجيز يجعل تشريك أطراف متعددة أمرا غير مرغوب، بل وغير ذي نفع لاستكمال المسار المراد خاصة وأنّإصدار النصوص المتعلقة بالمسار الانتخابي التشريعي يتطلب قبل تأمين أول محطة انتخابية تحيين التصور القانوني لمهام الهيئة العليا المستقلة كما يتطلب الأخذ في الاعتبار الآجال التي تقتضيها النزاعات الانتخابية في كل محطة.

ثالثا: الأسباب المتعلقة بالهيئة العليا المستقلة للانتخابات:

جدد الفصل 134 من دستور 2022 منح الهيئة العليا المستقلة للانتخابات السلطة الترتيبية في مجال اختصاصها رغم ما بدا عليه من تحفظ في استعمال عبارة “السلطة” وجعلها تتكون من تسعة أعضاء “مستقلين، محايدين من ذوي الكفاءة والنزاهة” بدل سبعة محددين بالصفة المهنية كما تم العمل به في ظل المرسوم عدد 22 لسنة 2022 المؤرخ في 21 أفريل 2022 والمنقح للقانون الأساسي لسنة 2012 المتعلق بالهيئة العليا المستقلة للانتخابات. وهكذا، أصبح من الضروري تحيين التصور القانوني لهذه الهيئة تعيينا ومهام ورقابة على أعمالها خاصة وأنها مطالبة بتأمين أكثر الانتخابات تعقيدا ما يتطلب إعداد لوجستيا وإحكاما للتعامل مع مختلف المتدخلين في إعطاء الأرقام والمؤشرات المحددة للدوائر الانتخابية ولتوزيع الناخبين على تلك الدوائر. وغني عن التذكير أنّ كل ذلك يتطلب تسخير موارد بشرية متفرغة والإبقاء عليها لفترة استفادة من الخبرة التي ستكتسبها إذا تتالت المحطات الانتخابية في فترة وجيزة. وبالتبعية، وجبت مراجعة الميزانية الموضوعة على ذمة الهيئة المعنية.

والجدير بالذكر أنّ تكليف الفصل السالف الذكر من الدستور الهيئة بالإشراف على الانتخابات “في جميع مراحلها” بما في ذلك أطوار التقاضي يجعل المهام المنوطة بها تتطلب وقتا طويلا ينطلق بتحيين النص المنظم لها مع الأخذ في الاعتبار آفاق عملها بعد استكمال جميع الهياكل الدستورية ثم باستكمال تركيبة الهيئة الحالية بتعيين أعضاء جدد أو باستبدال الهيئة الحالية بأخرى جديدة وُصولا إلى دورها كطرف في مختلف النزاعات الانتخابية التي تُشرف عليها. ولا ننسى دور الهيئة في تحيين السجلات الانتخابية للبالغات والبالغين ثماني عشرة سنة كاملة منذ جويلية[6]2022 وفتح الباب مجددا لاختيار مكاتب الاقتراع. وهنا، واستئناسا بالنصوص الحالية المُنظمة للنزاع الانتخابي، نستنتج أنّ المرور من محطة إلى أخرى يستغرق وقتا وآجالا وجب احترامها.

ولو افترضنا دون ترجيح فرضية معينة أو الانحياز لسيناريو بعينه أنّ “القانون” الانتخابي الجديد سيخوض في تفاصيل وآجال تنزيل العقوبات على المنتخبين الذين يثبت أنهم قاموا بتجاوزات في إدارة وتمويل حملاتهم الانتخابية من خلال الاستفادة من تجارب الماضي القريب وأنّ “المشرع” بدوره سيسعى لاستكمال تنظيم المحكمة الدستورية بمرسوم بعد تنصيب أعضائها بأمر[7]فإن هذه الخيارات أيضا من شأنها أن تتطلب المزيد من الوقت في حين أن تركها لمجلس نواب الشعب أو لمجلسي الوظيفة التشريعية سيجعل النواب مطالبين بالتمتع بحد من التكوين القانوني.

يتضح من خلال ما تقدم أنّ سيناريو تشريك أطراف متعددة لإعداد نصوص المنظومة الانتخابية المُعدلة شبه مستحيل ومن بين أسبابه طلب السرعة واختصار الآجال. ومع ذلك، يظل الوقوع في مشكل الآجال واردا على غرار ما حصل في تنظيم الاستفتاء هذا إلا إذا لم تتح ضغوطات الميزانية العامة تأمين النفقات الضرورية للهيئة لتامين مختلف المحطات الانتخابية خلال سنة 2022 بحيث قد يجنح رئيس الجمهورية عندها إلى تشريك عدة أطراف أو إلى البحث عن مصادقة واسعة على مختلف النصوص لضمان إقبال عدد أكبر من الناخبين على المشاركة في شتى الانتخابات حتى تعكس نتائجها إرادتهم.

ضغط الآجال يُنذر بخروقات محتملة وتدارك كل المسار رهين تكوين ممثلي الشعب  

يكتسي احترام الآجال آمرة كانت أو استنهاضية أهمية كبرى في إبراز مصداقية احترام القاعدة القانونية. وفي المجال الدستوري عرفت تونس حديثا تجاذبات كبيرة على أعلى مستوى بعد رفض رئيس الجمهورية ختم القانون المنقح لقانون المحكمة الدستورية بداعي تجاوز الأجل الذي ضربه دستور 2014 لانتخاب أعضائها بينما أثارت الآجال المعتمدة في تنظيم استفتاء 25 جويلية 2022 جدلا بخصوص احترامها للممارسات الفضلى في المجال.

ورغم أنّ حديثنا عن الآجال لن يُغير كثيرا من واقع الأمور في صورة الإبقاء على تاريخ 17 ديسمبر 2022 إلاّ أنّ الاقتناع بأن تركيز الهياكل الدستورية خير من البقاء في حالة فراغ أو في حالة تجميع السلط/الوظائف في يد رئيس الجمهورية يجعل الاهتمام يمتد إلى مرحلة ما بعد تركيز هذه الهياكل بالدعوة إلى تعزيز قدرات مختلف المجالس المنتخبة هياكل ومنتخبين.

أولا: ضغط الآجال يُنذر بخروقات محتملة

لا يُمكن إنكار التعسف على الآجال بمناسبة تنظيم الاستفتاء على الدستور.وليس أدل على ذلك من صدورقرار الهيئة العليا المستقلة للانتخابات المؤرخ في 3 جوان 2022 في الرائد الرسمي عدد 67 بتاريخ 10 جوان 2022 والمتعلق بروزنامة الاستفتاء لسنة 2022 معلنا انطلاق فترة الاستفتاء بداية من تاريخ 3 ماي 2022، أي قبل فترة من تاريخ الإعلام به وذلك التزاما بالأمر الرئاسي عدد 506 لسنة 2022 المتعلق بدعوة الناخبين إلى الاستفتاء في مشروع دستور جديد للجمهورية التونسية يوم الاثنين 25 جويلية 2022 والمؤرخ بدوره في 25 ماي 2022، أي بعد التاريخ الذي عينته الهيئة المكلفة بتنظيم الانتخابات لانطلاق الحملة بصفة رجعية.

يُذكر أيضا أن الأمر الرئاسي المتعلق بدعوة الناخبين للاستفتاء على دستور جديد للجمهورية التونسية قد صدر بتاريخ 25 ماي 2022 دون أن يكون مصحوبا بنص مشروع الدستور المعروض على الاستفتاء والذي تم إعلام العموم به عبر النشر بالرائد الرسمي للجمهورية التونسية بتاريخ 30 جوان 2022 ليتم إصلاح بعض أخطائه المادية وتحيين بعض فصوله بتاريخ 8 جويلية 2022، أي سبعة عشر يوما قبل موعد الاستفتاء وهي مُدة غير كافية منطقيا وحسب الممارسات الفضلى في المجال لتعريف العموم وخاصة أكثر من تسعة مليون ناخب معني بالاستفتاء بأحكامه وإتاحة فرص النقاش حولها وتكوين قناعة بالموقف المُتخذ بشأنها يوم الاستفتاء وذلك رغم أنّ التنقيح والاتمام المُدخلين يوم 1 جوان 2022 بمقتضى المرسوم عدد 34 على القانون الأساسي عدد 16 لسنة 2014 المؤرخ في 26 ماي 2014 والمتعلق بالانتخابات والاستفتاء جعلا هذه الآجال قانونية أو بالأحرى “مراسمية”. كما سعت التنقيحات والإضافات المدخلة على النص الأصلي إلى تدارك ما يُمكن تداركه بأن نص الفصل 18 مكرر مثلا على اعتبار “كلّ أيام الأسبوع أيام عمل بالنسبة إلى الهيئة وأطراف النزاع والمحاكم المتعهدة بالطعون المتعلقة بهذا الباب” ربحا لبعض أيام العمل المُنجز كما نصالفصل 115 مكرر على أن ” تُعِدّ الجهة الدّاعية للاستفتاء مذكّرة تفسيرية توضّح محتوى النص المعروض على الاستفتاء وأهدافه، ويتم نشرها للعموم قبل بداية حملة الاستفتاء” دون تحديد آجال دنيا لذلك…

ولا يفوت المختص في القانون أنّ الآجال والإجراءات يُفترض أنها إنما جُعلت لغايات ليس أقلها التنظيم وحفظ الحقوق عامة وأن تغييرها مناسباتيا قد يُفضي إلى تكرار الممارسة ما من شأنه أن يُضعف دورها والغرض منها ويجعلها مُنتهكة لا عمل بها. ونستعرض في هذا الصدد ما حصل مع المرسوم عدد 35 لسنة 2022 المؤرخ في 1 جوان 2022 المتمم للمرسوم عدد 11 لسنة 2022 المؤرخ في 12 فيفري 2022 والمتعلق بإحداث المجلس الأعلى المؤقت للقضاء. فقد أتاح هذا المرسوم لرئيس الجمهورية عزل عدد من القضاة في نفس تاريخ نشره[8] وهو ما أثار الكثير من النقد المنصب جله على مبدأ الأمان القانوني الذي يقتضي عدم تغيير القاعدة المعمول بها بغاية إنشاء أثر فوري يُغير المراكز القانونية ويمس من حقوق الأفراد[9] لتثار في نفس الوقت مسألة تجميع السلط في يد واحدة.

بين مطرقة الأجل المُعلن عنه وسندان البحث عن جودة النص القانوني وديمومته، يجد رئيس الجمهورية نفسه في مفترق خيارات صعبة أهونها المُضي في الطريق الذي رسمه لنفسه منذ 25 جويلية 2021 وهو استكمال المسار الدستوري وفق تصوره الخاص ودون تشويش من أي طرف.

اليوم الدراسي الذي نظمه المعهد التونسي للمنتخبين

ثانيا: تدارك كل المسار رهين تعزيز قدرات ممثلي الشعب ومؤسساته الوظيفية

من الواضح من خلال اعتبار التشريع والقضاء والتنفيذ وظائفأنّ المُراد بهذا الدستور هو وضع مؤسسات وظيفية بالأساس يضيق فيها هامش التجاذبات لتأمين الحكم في الدولة عوضا عن مؤسسات سياسية تكون عرضة للمنعرجات والمفترقات وتغيّر القناعات. يتأكد هذا الاستنتاج مع الوظيفة التشريعية مثلا في الموقف الذي اتخذه واضع الدستور من السياحة الحزبية التي غلبت على تكتلات مجلس نواب الشعب في الفترة المتراوحة بين 2014 و2019 خاصة[10].

وهنا يُطرح سؤال إن كان دستور 2022 والمسار الذي يعقبه ديمقراطيا في غياب التشاور الموسع أو المشاركة الحقيقية في إعداد النصوص المنظمة للحياة السياسية.

يرى بعض المحللين أن نجاح التحول الديمقراطي يتطلب “علاوة على العوامل المؤسسية والإجرائية الدعم الجماهيري للنظام الديمقراطي نفسه.”[11]وهو توجه منطقي بعد أن تبلورت أشكال متعددة لتجسيم الديمقراطية في هياكل ومؤسسات متعارف عليها ومن خلال جملة من الإجراءات المنضوية تحت خيارات محددة[12]. ويبقى القبول بعملية الاختيار التي يقوم بها فرد لفائدة المجموعة بتفويض مسبق أو بوكالة معلنة أو بتصرف فضولي يحظى بمصادقة لاحقة رهين القبول الواسع والدائم للجمهور بتلك الخيارات. ومعلوم أنّ القبول وتجديد القبول المستمر ضروريان لاستمرار نظام “الوظائف” أو “الديمقراطية الوظيفية” التي يتحول فيها ما كان يُصطلح على تسميته بالسلط في الديمقراطية التمثيلية إلى وظائف. ويتطلب ضمان هذا القبول وتجديد القبول كوظيفتين للشعب لحماية الديمقراطية عبر التعبير عن درجة الرضا عن أداء الهياكل الحارسة للنظام لوظائفها تحقيق هذه الهياكل سواء كانت وطنية أو جهوية أو إقليمية أو محلية لنجاحات اقتصادية واجتماعية وبيئية وتربوية وتشغيلية[13]

يبدو أننا بانطلاق دخول دستور 25 جويلية 2022 إزاء صنف جديد من الديمقراطية يُعوض النمط القديم بأن أخذ عنه أهم هياكله وجردها من السلطة التي تستمدها ذاتيا أو بتفويض مباشر من الشعب وأوكل إليها مهمة القيام بوظائف تضبطها أطر قانونية محددة تحت رقابة المحكمة الدستورية والشعب الذي خول له الدستور استرجاع الوكالة من نوابه بمجلس نواب الشعب[14]. وإذا كان الغرض من استبعاد الصياغة التشاركية للنصوص المنظمة لمسار دستور 2022 ربح الوقت والقطع مع المقترحات المُحتملة التي من شأنها أن تُعيد المسار إلى الديمقراطية التمثيلية بأجسامه الوسيطة المتمثلة في الأحزاب والكتل التي رأى صاحب التصور الجديد أنها عجزت عن أداء وظائفها على الوجه المطلوب بسبب غياب التوافقات وانخراطها في البحث عن مصالح ضيقة، فإنّه لا يخفى أن نجاعة هذا التصور الجديد غير مضمونة في غياب وعي الشعب بتفصيله وانعدام التكوين الضروري لنوابه في مختلف المجالس على مجالات وظائفه ولا سيما في المجالات التنموية والمالية والمعاهداتية إلى جانب إعداد وتقييم السياسات العمومية الشاملة والقطاعية…ومؤكد أن تجربة الشعب التونسي في الفترة السابقة وعدم اعتراض قطاع واسع منه على القطع مع دستور 2014 ومخرجاته رغم وضعه من مجلس تأسيسي منتخب إنما يأتي للإعراب عن تطلع الشعب لحلول عملية لأحواله الاجتماعية ولقدرته الشرائية ووضعه البيئي المتردي بحيث يُصبح تركيزه على نتائج أعمال هذه الهياكل كمخرجات أكثر من تركيزه على اختيار ممثليه صلب هذه الهياكل كمُدخلات. ولا يعني هذا السلوك المُحاسبي للشعب إن صحت العبارة – أي الذي يقوم على محاسبة الأفراد أو المسؤولين الذين تُفرزهم ظروف معينة كاختيارهم من الفئة الأكثر حرصا على المشاركة في العملية الانتخابية – بدل التدخل للمشاركة في اختيار ممثليه منذ البداية اعتزال العازفين عن الانتخاب للعملية السياسية. وإنما هي السمة البارزة للمرحلة التي تعقب أي ارتداد على تجربة تخوضها المجموعات باندفاع حيث يسود بعدها العزوف عن المبادرة المشوب بترقب نتائج المسار الجديد للحكم لها أو عليها. وفي تونس، يبدو أنّ الاعتبارات الحزبية قد طغت على تقييم الرؤى والبرامج في اختيار نواب الشعب في العشرية الأخيرة وقد يكون ذلك أيضا لانعدام الثقة في موضوعية بعض البرامج المطروحة وفي قدرة الأحزاب التي طرحتها على تحقيقها بحيث عادة ما يُنظر إليها على أنها مجرد وعود انتخابية. وفي غياب الاعتبارات المذكورة أو إضعافها والتي يُمكن أن تُشكل دافعا للانخراط في العملية الانتخابية، قد يُخير الكثيرون عدم تحمل مسؤولية الاختيار وتمرير رسالة أن ما يهمهم ليس الأداة وإنما النتيجة التي سيحكمون من خلالها على ممثليهم الذين رشّحوا أنفسهم لأداء الوظيفة ولم يُحصنوا مكانهم في المجلس من خلال تزكية أغلبية ساحقة لهم مما يجعلهم تحت ضغط تحقيق النتائج التي ترتضيها تلك الأغلبية. وهذا يتطلب منهم مثابرة في البقاء منفتحين على الناخبين واجتهادا في تحصيل المعارف والمهارات التي تُمكنهم من خدمة قضايا هؤلاء. ويبدو أنّ الحفاظ على صلة النائب وحزبه بالقواعد وبالناخبين في الفترة السابقة هو ما غاب عن عديد الفاعلين السياسيين في العشرية السابقة إلى الدرجة التي أفقدتهم الأنصار الذين كانوا يتباهون بعدها إبان كل محطة انتخابية.

إن هذا النظام الذي كرسه دستور 2022 يُؤجل التجاذبات إلى ما بعد أعمال مجلس نواب الشعب ويُخرجها من الأحزاب والكتل النيابية تحت قبة المجلس إلى الناخبين خارجه. فإذا كان الدستور قد منح الناخبين إمكانية استرجاع الوكالة من النائب الذي لا يُؤدي وظيفته على الوجه الذي يرتضونه على أساس أنه صاحب السيادة المباشرة فإن ذلك لا يخلو من مخاطر شبيهة بالسياحة الحزبية في تهديدها لاستقرار المؤسسة التشريعية الأهم. ولتلافي المشاكل الممكنة، يجب إحاطة مختلف المجالس المُنتخبة بضمانات أداء دورها على الوجه المطلوب بالعمل على تعزيز قدرات أعضائها ووضع إدارة استشارية على ذمتها تتولى المهام البحثية والاستشارية لإنارة قراراتها وتسهيل أعمالها. وليت الدستور نص على ذلك ليُؤكد أنه أولى الأهمية للدور الوظيفي للهياكل الدستورية على حساب العملية السياسية وإن ذهب ذلك إلى حين بجزء من الممارسة الديمقراطية القائمة على تشجيع الناخبين على اختيار ممثليهم ليُمارسوا عنه سُلطة التقرير والتسيير والحال أنهم بمقتضى دستور 2022 سيحملون على عاتقهم أوزار وظيفية.

والجدير بالملاحظة أنّ رد فعل الناخب المتخلي عن ممارسة حقه في الانتخاب أو الذي يُدفع عنوة إلى الانتخاب فيكتفي بوضع ورقة ملغاة تعبيرا عن رفضه لكل الطبقة السياسية او عن انعدام الرؤية لديه لن يقتصر حكمه في مرحلة متقدمة على الأفراد ولن يجد حرجا في لفظ كامل المنظومة الانتخابية التي جاء بها الدستور إن هي أثبتت فشلها في تحقيق ما يصبو إليه. لهذا، وجبت إحاطة المجالس المنتخبة بالتكوين وتفادي

إضعاف أحدها بالآخر لأنّ الخاسر الأخير في هذه الوضعية هو الوطن والمواطن.

[1]تم تكليف لجنة برئاسة العميد الصادق بلعيد بصياغة مشروع دستور قصد عرضه على رئيس الجمهورية الذي له أن يُعدله قبل المصادقة عليه إلا أن المقارنة بين الصيغة التي نشرها الأستاذ أمين محفوظ وتلك التي تم تبنيها وكذلك تصريحات رئيس هذه اللجنة وعضوها المذكور تُرجح أنّه لم يتم التعويل على أعمال اللجنة.

[2]صرح رئيس الجمهورية بعد الإدلاء بصوته في الاستفتاء على الدستور: “مهمّة الدولة الأولى تحقيق الاندماج، وما المجلس الثاني (الأقاليم والجهات) إلاّ طريقة لذلك حتى لا يتم تهميش الشعب في المجال الاقتصادي والتنمية”

[3]للاقتراب من بعض الممارسات الفضلى التي كرستها لجنة البندقية والتي سبق لرئيس الدولة أن أبدى تحفظه على تدخلها في تقييم النصوص المتعلقة بتنظيم الاستفتاء على الدستور.

[4]تضمن دستور 2014 في باب “السلطة المحلية” 12 فصلا بالإضافة إلى فصل ضمن الأحكام العامة يتضمن تعهد الدولة بدعم مسار اللامركزية وتعميمها على كامل التراب الوطني في إطار احترام مبدأ وحدة الدولة.

[5]مجلة الجماعات المحلية أو الأمر العلي المؤرخ في 21 جوان 1956 المتعلق بالتنظيم الإداري لتراب الجمهورية

[6]باعتبار قيام الهيئة قبل ذلك التاريخ بتسجيل الناخبين آليا

[7]بمقتضى الفصل 125 من دستور 2022، أصبحت المحكمة الدستورية تتركب من 9 أعضاء (قضاة) يُعينهم رئيس الجمهورية بصفتهم. وقد قطع هذا الخيار مع آلية الانتخاب من قبل نواب الشعب التي أقرها دستور 2014 بعد أن فشل هذا الأخير طيلة أكثر من 6 سنوات في تركيز هذا الهيكل الدستوري بسبب غياب التوافقات الضرورية لذلك. وقد ضبط الفصل 127 من الدستور الجديد صلاحيات هذه المحكمة إلا أنه ترك للقانون المسائل المتعلقة بانتخاب الرئيس ونائبه وكيفية التسيير والآجال …

[8]  تم بمقتضى الأمر الرئاسي عدد 516 لسنة 2022 الصادر بتاريخ 1 جوان 2022 عزل 57 قاضيا تقدم 54 منهم بقضايا لدى المحكمة الإدارية التي قضت بإرجاع 47 منهم بتاريخ 10 أوت. وفد دفع أمر العزل بالقضاة إلى الدخول في إضراب عن العمل دام 4 أسابيع متتالية احتجاجا على هضم التنقيح المدخل على مرسوم المجلس الأعلى المؤقت للقضاء لإجراء حوهري يتمثل في حق الدفاع.

[9]  سبق للمعهد التونسي إثارة هذا الموضوع في يوم دراسي نظمه بتاريخ 23 أكتوبر 2018 لفائدة نواب الشعب بالاشتراك مع الأكاديمية البرلمانية لمجلس نواب الشعب والصندوق الوطني للديمقراطية وقسم التعاون والعمل الثقافي بسفارة فرنسا بتونس وبالتعاون مع مركز الدراسات والبحوث في القانون الإداري والدستوري والمالي والجبائي بكلية الحقوق والعلوم السياسية بنيس

[10] يمنع الفصل 62 من دستور 2022 النائب المنسحب من الكتلة النيابية التي كان ينتمي إليها عند بداية المدة النيابية من الالتحاق بكتلة أخرى.

[11]محمد مسارة: هل فشلت الديمقراطية التونسية في إقناع الشباب التونسي؟ تباطؤ مسيرة التنشئة الديمقراطية

[12] Amin Maalouf: Ce qui est sacré, dans la démocratie, ce sont les valeurs, pas les mécanismes.

[13]يتضح الرهان على هذه الوظيفة من إحداث الفصل 135 من الدستور للمجلس الأعلى للتربية والتعليم

[14]الفقرة 2 من الفصل 61 من الدستور: “وكالة النائب قابلة للسحب وفق الشروط التي يحددها القانون الانتخابي” المعهد التونسي والمسار الانتخابي